أحمد بن محمد ابن عربشاه

46

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

أشبهتا كيتين ، فصار يستغيث ولا مغيث ، فطلب الأطباء فأعياهم هذا الداء . ثم لم يقر له قرار ولم يأخذه سكون ولا اصطبار إلا بدماغ الإنسان دون سائر الحيوان ، فمد يد الفتك ، ولأجلّ الأدمغة استعمل السفك ، فضجر الناس لهذا البأس ، وصاحوا وناحوا وغدوا مستغيثين وراحوا ، فوقع الاتفاق بعد الشقاق على الاقتراع لدفع النزاع ، فمن خرجت قرعته كسرت قرعته « 1 » ، وأخذ دماغه وحصل لغيره فراغه ، فعالجوا به الكيتين ، وغذوا به الحيتين ، فيبرد الألم ويخف السقم . ففي بعض الأدوار خرجت القرعة على ثلاثة أنفار ، فربطوا بالأغلال ودفعوا إلى النكال ليجرى عليهم ما جرى على الأمثال . فبينما هم في الحبس بين طالع نحس وطرد وعكس ، وقف للضحاك امرأة وضية ، واستغاثت به في هذه القضية ، فأدناها وسأل ما دهاها . فقالت : ثلاثة أنفار من دار ، لا صبر لي عنهم ولا قرار ، وحاشى عدل والسلطان أن يرضى بهذا العدوان ؛ ولدى كبدي ، وأخي عضدي ، وزوجي معتمدى ، وكل مسجون يسقى كأس المنون ، فرقّ لها الضحاك وقال : لا يعمهم الهلاك ، فاذهبي يا مغاثة ، واختاري واحدا من الثلاثة ، وجهزها إلى الحبس ليقع اختيارها على من يدفع اللبس . فتصدى . لها الزوج وتمنى الخلاص من ذلك البوج « 2 » ، فتذكرت ما مضى من عيشها معه وانقضى ، واستحضرت طيب اللذات والأوقات المستلذات ، فأتت إليه ومالت عليه ، فتحركت الأنفس الإنسانية والشهوة الحيوانية ، فهمت بطلبه وتعلقت بسببه . فوقع بصرها على ولدها فلذة كبدها ، فرأت صباحة خده « 3 » ورشاقة قده ، فتذكرت طفوليته وصباه ، وتربيتها إياه وحمله وإرضاعه وتناغيه وأوضاعه ، فعطفت عليه جوارحها ، ومالت إليه جوانحها ، فقصدت أن تختاره وتريح

--> ( 1 ) رأسه . ( 2 ) المحنة والمصيبة . ( 3 ) إشراقة خده .